القاضي عبد الجبار الهمذاني
226
شرح الأصول الخمسة
نعلم حسن مدحه وذمه وأمره ونهيه . قيل له : إنا نعلم حسن الأمر والنهي والمدح والذم على الجملة ضرورة ، وإن لم نعلم كونه محدثا على التفصيل ، فلا يكون الاستدلال بذلك عليه استدلالا بفرع الشيء على أصله ، كما أنا لما أمكننا أن نعلم كون الذات قادرا عالما وإن لم نعلم كونه حيا ، أمكننا الاستدلال بذلك على كونه حيا ، ولا نكون مستدلين بفرع الشيء على أصله ، وإن لم يكن الذات عالما وقادرا لم يكن حيا ، كذلك في مسألتنا . ويلزم أيضا قبح مجاهدة أهل الروم وغيرهم من الكفار ، لأن للكفرة أن يقولوا لما ذا تجاهدونا ؟ فإن كان جهادكم إيانا على ما لا يريده اللّه تعالى منا ولا يحبه فالجهاد لكم أولى وأوجب ، وإن كان الجهاد لنا على ما خلق فينا وجعلنا بحيث لا يمكننا مفارقته والانفكاك عنه فذلك جهاد لا معنى له ، ولو وجب هذا الجهاد والحال ما ذكرناه لكان إنما يجب للّه . طريقة أخرى في أن أفعال العباد غير مخلوقة فيهم : طريقة أخرى في أن أفعال العباد غير مخلوقة فيهم وأنهم المحدثون لها . وتحريرها هو أن هذه التصرفات يجب وقوعها بحسب قصودنا ودواعينا ويجب انتفاؤها بحسب كراهتنا وصارفنا مع سلامة الأحوال إما محققا وإما مقدرا ، فلو لا أنها محتاجة إلينا ومتعلقة بنا وإلا لما وجب ذلك فيها ، لأن هذه الطريقة تثبت احتياج الشيء إلى غيره ، كما لا يعلم احتياج المتحرك إلى الحركة ، والساكن إلى السكون ، وهي هذه الدلالة المعتمدة ، وما تقدم كان على طريق الإلزام . وقولنا في هذه التصرفات أنه يجب وجودها بحسب قصدنا ودواعينا ، ويجب انتفاؤها عند كراهتنا وصارفنا ، فالمراد به طريقة الاستمرار ، لا ما نقوله في كون الجسم متحركا وأنه يجب عند وجود الحركة . وقولنا مع سلامة الأحوال ، فالمراد به خلوص الدواعي وزوال الموانع . وقولنا إما محققا ، فالمراد به فعل العالم لما يفعله ، فإنه يجب وجوده بحسب قصده وداعيه تحقيقا . وقولنا وإما مقدرا ، فالمراد به فعل الساهي ، فإن فعله وإن لم يقع بحسب قصده محققا ، فهو واقع بحسبه مقدرا ، فإنا لو قدرنا أن يكون له داع لكان لا يقع فعله إلا موقوفا عليه وبحسبه . إذا ثبت هذا ، فالذي يدل على أن هذه التصرفات يجب وقوعها بحسب قصدنا